ابن أبي الحديد
25
شرح نهج البلاغة
ظالم غلب إنسانا على رحله أو متاعه ، فالواجب على المغلوب أن يمانعه ويدافعه ليخلص ماله من يده ، ولا يقصد إلى إتلافه ولا قتله ، فإن أفضى الامر إلى ذلك بلا قصد كان معذورا ، وإنما خاف القوم - في التأني به ، والصبر عليه ، إلى أن يخلع نفسه - من كتبه التي طارت في الآفاق ، يستنصر عليهم ويستقدم الجيوش إليهم ، ولم يأمنوا أن يرد بعض من يدفع عنه فيؤدى ذلك إلى الفتنة الكبرى والبلية العظمى . وأما منع الماء والطعام فما فعل ذلك إلا تضييقا عليه ، ليخرج ويحوج إلى الخلع الواجب عليه . وقد يستعمل في الشريعة مثل ذلك فيمن لجأ إلى الحرم من ذوي الجنايات ، وتعذر إقامة الحد عليه لمكان الحرم . على أن أمير المؤمنين عليه السلام قد أنكر منع الماء والطعام ، وأنفذ من مكن من حمل ذلك ، لأنه قد كان في الدار من الحرم والنسوان والصبيان من لا يحل منعه من الطعام والشراب . ولو كان حكم المطالبة بالخلع والتجمع عليه والتضافر فيه حكم منع الطعام والشراب في القبح والمنكر ، لا نكره أمير المؤمنين عليه السلام ، ومنع منه كما منع من غيره ، فقد روى عنه عليه السلام أنه لما بلغه أن القوم قد منعوا الدار من الماء ، قال : لا أرى ذلك ، إن في الدار صبيانا وعيالا ، لا أرى أن يقتل هؤلاء عطشا بجرم عثمان . فصرح بالمعنى الذي ذكرناه ، ومعلوم أن أمير المؤمنين عليه السلام ما أنكر المطالبة بالخلع ، بل كان مساعدا على ذلك ومشاورا فيه . فأما قوله : إن قتل الظالم إنما يحل على سبيل الدفع ، فقد بينا أنه لا ينكر أن يكون قتله وقع على ذلك ( 1 ) الوجه ، لأنه في تمسكه بالولاية عليهم وهو لا يستحقها ، في حكم الظالم لهم ، فمدافعته واجبة .
--> ( 1 ) ا : ( هذا ) .